محمد الريشهري

275

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

تعمّلها وأفكر فيها ، وأعمل رويّته في رصفها ونثرها ، فلقد أتى بالعجب العُجاب ، ووجب أن يكون إمام الناس كلّهم في ذلك ، لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله وإن كان اقتضبها ابتداءً ، وفاضت على لسانه مرتجلة ، وجاش بها طبعه بديهة ، من غير رويّة ولا اعتمال ، فأعجب وأعجب ! وعلى كلا الأمرين فلقد جاء مجلّياً ، والفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره . وبحقٍّ ما قال معاوية لمحقن الضبّي ، لمّا قال له : جئتك من عند أعيى الناس : يا بن اللخناء ، ألعليٍّ تقول هذا ؟ ! وهل سنّ الفصاحة لقريش غيره ؟ ! واعلم أنّ تكلّف الاستدلال على أنّ الشمس مضيئة يتعب ، وصاحبه منسوب إلى السفَه ، وليس جاحد الاُمور المعلومة علماً ضرورياً بأشدّ سفهاً ممّن رام الاستدلال بالأدلّة النظريّة عليها ( 1 ) . وقال أيضاً في ذيل الخطبة 91 - التي تُعرف بخطبة الأشباح - : " إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعقِل " ! إذا جاء هذا الكلام الربّاني واللفظ القدسي بطلت فصاحة العرب وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص ، ولو فرضنا أنّ العرب تقدِرُ على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ ، من أين لهم المادّة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها ؟ ! ومن أين تعرف الجاهليّة بل الصحابة المعاصرون لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذه المعاني الغامضة السمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها ؟ ! أمّا الجاهليّة فإنّهم إنّما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك . وأمّا الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنّما كان منتهى فصاحة أحدهم

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 6 / 277 .